ads
ads

"التحطيب".. لعبة نبي الله موسى وشقيقه هارون

لعبة التحطيب
لعبة التحطيب
دسوقي البغدادي


سميت هذه اللعبة الشعبية الأصيلة بالتحطيب لأنها كانت تُلعب أولاً بالحطب، ثم بالعصي الغليظة (النبوت) ويسميها أهل الصعيد (لعبة القلاوي) وفي الوجه البحري يسمونها (لعبة العصا).

ولعبة التحطيب من الوجهة الفنية هي اللعب بالعصا على الطريقة المصرية للمنافسة بقصد إظهار المهارة والرشاقة وسرعة الخاطر وللقوة وللدفاع عن النفس ويلعبها المصريون (فلاحون وصعايدة) في المناسبات القومية والتاريخية والدينية كأعياد الفطر والضحية وشم النسيم ووفاء النيل ومولد النبي وموالد الأولياء بل تدعى هذا إلى الحفلات والأفراح والليالي الملاح.

يتسابق أبطال اللعبة في البلاد والمراكز والمحافظات إلى الاشتراك في لعبة العصا في حلقات اللعب الشعبي في هذه المناسبات ليظهروا براعتهم وجميل فنهم في هذا النوع من المهارات الشعبية أمام العمد وأعيان البلاد- بل إن كثيراً منهم كان يقبل مدعواً لينازل أقرانه أبطال اللعبة في جهاتهم أمام الحكام وأصحاب الرأي في حلقات كبيرة وجامعة- فمن عقد له لواء النصر سمي بطل العصا في البلاد وسارت باسمه الركبان وظل متربعاً على عرش البطولة- لا ينازعه منازع ويكتفي بأداء استعراضات فنية أمام الأبطال المحليين أو دورات تعليمية لمحبي اللعبة والمريدين حتى يأتي من يجرؤ على انتزاع البطولة من بين يديه.

ويرجع تاريخ هذه اللعبة إلى ما قبل عصر التاريخ عندما كانت وسيلة للدفاع عن النفس، ثم تطورت اللعبة إلى رياضة حينما أراد الله سبحانه وتعالى أن يراوض نبيه موسى عليه السلام تعليماً فقال له: " وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال هي عصاي.. أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى".

كان من مآرب موسى اللعب بالعصا مع أخيه هارون على طريقته الترويحية ساعة القيلولة حين خلود الغنم لراحة الظهيرة، كما كان من مآربه استعمالها في الحراسة والدفاع عن النفس ضد الحيوانات الضارية، وفي القفز فوق الجداول والقنوات وفوق الأمكنة المرتفعة، واستعمالها أيضاً في إظهار زعامته لقومه وقيادته الدينية لهم وصولجانه فيهم.

ظهرت رياضة اللعب بالعصا بظهور رسالة موسى عليه السلام في سيناء، ثم نقلها عمالقة الصعيد في قنا كرياضة خشنة للشجعان.. نقلوها مبارزة بالعصا، فانتشرت بين جميع طبقات الشعب، ثم تحولت على مر العصور بين الطبقات العليا من الشعب إلى المبارزة بالسيف، ولكن المبارزة بالعصا بقيت أصيلة في قلب الريف البحري والقبلي على السواء يلعبها السواد الأعظم من الشعب كرياضة لا خطر منها- وكانت " الموضة" في ذلك العصر هي حمل العصا أثناء السير.

أنشئت عدة مدارس لتعليم فن المبارزة بالعصا أو التحطيب، وكان الرجال يمارسون هذا النوع الجديد من المبارزة كرياضة وإن كانت بدورها كثيراً ما تسفر عن نتائج خطيرة، ثم تطورت اللعبة بوضع قواعد ثابتة تجعلها تميل إلى الرياضة الفنية والأسلوب الراقي في فن الدفاع والهجوم الذاتي، ثم انتشرت اللعبة الجميلة وبان حسنها وجمال فنها فتعهدتها الفراعنة وشملتها بالرعاية والعناية مما جعلها تنتشر بسرعة في ربوع الصعيد.

وهناك على حائط معبد الكرنك بالأقصر لوحة منقوشة تمثل الإله حورس وهو يعلم الملك امنحتب الثالث (1448- 1420) قبل الميلاد هذا الفن الجميل من الرياضة الشعبية.

وعلى مقبرة الملك كيراوان نقوش تدل على اشتراك الملوك وأفراد الشعب من الفلاحين وغيرهم في ممارسة تلك الرياضة مستعملين أحياناً أقنعة ودروعاً للوقاية وأحياناً أخرى بدون تلك الأقنعة والدروع (من محفوظات كارل ديم الألماني). 

وأثبت المؤرخ هيرودوت في كتاباته بأن المتبارين كانوا يصيبون بعضهم البعض بإصابات قاتلة، ولو أنه لم يسجل في التاريخ المصري القديم أية إشارة لحدوث حوادث مؤسفة نتيجة لتلك المباريات التي كانت أشبه بمعارك غايتها النيل من الخصم بإصابته بإصابات ربما كانت شديدة تمنعه من الحركة، أو ربما شجت رأسه وكسرت ضلوعه وقضت عليه.